في لقاء مفتوح مع الشيخ سعيد بن مسفر - حفظه الله - طلب منه بعض الحاضرين، أنيتحدث
عن بداية هدايته فقال: حقيقة.. لكل هداية بداية.. ثم قال: بفطرتي كنتأؤمن بالله ، وحينما كنت
في سن الصغر أمارس العبادات كان ينتابني شيء منالضعف والتسويف على أمل أن أكبر وأن
أبلغ مبلغ الرجال فكنت أتساهل في فتراتمعينة بالصلاة فإذا حضرت جنازة أو مقبرة، أو
سمعت موعظة في مسجد، ازدادتعندي نسبة الإيمان فأحافظ على الصلاة فترة معينة مع
السنن، ثم بعد أسبوع أوأسبوعين أترك السنن .. وبعد أسبوعين أترك الفريضة حتى تأتي مناسبة
أخرىتدفعني إلى أن أصلي..
وبعد أن بلغت مبلغ الرجال وسن الحلم لم أستفد من ذلكالمبلغ شيئا وإنما بقيت على وضعي في
التمرد وعدم المحافظة على الصلاة بدقةلأن من شب على شيء شاب عليه، وتزوجت .. فكنت
أصلي أحيانا وأترك أحيانا علىالرغم من إيماني الفطري بالله، حتى شاء الله- تبارك وتعالى -
في مناسبة منالمناسبات كنت فيها مع أخ لي في الله وهو الشيخ سليمان بن محمد بن فايع -
بارك الله فيه - وهذا كان في سنة 1387هـ .. نزلت من مكتبي وأنا مفتش فيالتربية الرياضية -
وكنت ألبس الزي الرياضي والتقيت به على باب إدارةالتعليم، وهو نازل من قسم الشئون
المالية فحييته لأن كان زميل الدراسة،وبعد التحية أردت أن أودعه فقال لي إلى أين؟ وكان هذا
في رمضان فقلت له : إلى البيت لأنام.. وكنت في العادة أخرج من العمل ثم أنام إلى المغرب
ولاأصلي العصر إلا إذا استيقظت قبل المغرب وأنا صائم.. فقال لي: لم يبق على صلاةالعصر
إلا قليلا فما رأيك لو نتمشى قليلا؟ فوافقته على ذلك ومشينا علىأقدامنا وصعدنا إلى السد (سد
وادي أبها) - ولم يكن آنذاك سدا - وكان هناكغدير وأشجار ورياحين طيبة فجلسنا هناك حتى
دخل وقت صلاة العصر وتوضأناوصلينا ثم رجعنا وفي الطريق ونحن عائدون.. ويده بيدي قرأ
علي حديثا كأنماأسمعه لأول مرة وأنا قد سمعته من قبل لأنه حديث مشهور.. لكن حينما كان
يقرأهكان قلبي ينفتح له حتى كأني أسمعه لأول مرة.. هذا الحديث هو حديث البراء بن عازب
رضي الله عنه الذي رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه قال البراءرضي الله عنه:
خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصارفانتهينا إلى القبر ولما يلحد
فجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجلسناحوله وكأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود
ينكت في الأرض فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر - قالها مرتين أو ثلاثا - ثم
قال : " عنالعبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من
السماء بيض الوجوه…" الحديث. فذكر الحديث بطوله من أوله إلى آخره وانتهى منالحديث
حينها دخلنا أبها، وهناك سنفترق حيث سيذهب كل واحد منا إلى بيته،فقلت له : يا أخي من أين
أتيت بهذا الحديث؟ قال : هذا الحديث في كتاب رياضالصالحين فقلت له : وأنت أي كتاب تقرأ؟
قال: اقرأ كتاب الكبائر للذهبي.. فودعته.. وذهبت مباشرة إلى المكتبة - ولم يكن في أبها آنذاك
إلى مكتبةواحدة وهي مكتبة التوفيق- فاشتريت كتاب الكبائر وكتاب رياض الصالحين، وهذان
الكتابان أول كتابين أقتنيهما.. وفي الطريق وأنا متوجه إلى البيت قلتلنفسي: أنا الآن على
مفترق الطرق وأمامي الآن طريقان الطريق الأول طريقالإيمان الموصل إلى الجنة، والطريق
الثاني طريق الكفر والنفاق والمعاصيالموصل إلى النار ..وأنا الآن أقف بينهما فأي الطريقين
أختار؟. العقليأمرني باتباع الطريق الأول.. والنفس الأمارة بالسوء تأمرني باتباع الطريق
الثاني وتمنيني وتقول لي: إنك ما زلت في ريعان الشباب وباب التوبة مفتوحإلى يوم القيامة
فبإمكانك التوبة فيما بعد.. هذه الأفكار والوساوس كانتتدور في ذهني وأنا في طريقي إلى
البيت.. وصلت إلى البيت وأفطرت وبعد صلاةالمغرب صليت العشاء تلك الليلة وصلاة التراويح
ولم أذكر أني صليت التراويحكاملة إلا تلك الليلة.. وكنت قبلها أصلي ركعتين فقط ثم أنصرف
وأحيانا إذارأيت أبي أصلي أربعا ثم أنصرف.. أما في تلك الليلة فقد صليت التراويح كاملة ..
توجهت بعدها إلى الشيخ سليمان في بيته، فوجدته خارجا من المسجد فذهبت معهإلى البيت
وقرأنا في تلك الليلة - في أول كتاب الكبائر - أربع كبائرالكبيرة الأولى الشرك بالله والكبيرة
الثانية السحر والكبيرة الثالثة قتلالنفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق والكبيرة الرابعة ترك
الصلاة وانتهينامن القراءة قبل وقت السحور فقلت لصاحبي: أين نحن من هذا الكلام؟ فقال : هذا
موجود في كتب أهل العلم ونحن غافلون عنه.. فقلت: والناس أيضا في غفلة عنهفلا بد أن نقرأ
عليهم هذا الكلام، قال: ومن يقرأ؟ قلت له: أنت ، قال : بلأنت .. واختلفنا من يقرأ وأخيرا استقر
الرأي علي أن أقرأ أنا ،فأتينا بدفتروسجلنا في الكبيرة الرابعة كبيرة ترك الصلاة. وفي الأسبوع
نفسه، وفي يومالجمعة وقفت في مسجد الخشع الأعلى الذي بجوار مركز الدعوة بأبها- ولم يكن
في أبها غير هذا الجامع إلا الجامع الكبير- فوقفت فيه بعد صلاة الجمعةوقرأت على الناس هذه
الموعظة المؤثرة التي كانت سببا - ولله الحمد - فيهدايتي واستقامتي وأسأل . الله أن يثبتنا
وإياكم على دينه إنه سميعمجيب.